جلال الدين السيوطي

29

معترك الاقران في اعجاز القرآن

اختيار ، واقترانها بحكم فقضاء وبماله مقدار ، أو عنى بشيء خاص فعناية ، وتصميم الإرادة عزم وهمّ ومشيئة . وللحنفية : إنّ المشيئة مشتقّ من الشيء ، وفي كتب اللغة أنها إرادة لا فعل ، صح : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ومن قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه ، ومن همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة ؛ وإن اللّه تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ؛ ونظره تعالى إلى القلب للنية ، والنية والعلم وغيرهما مما ينسب للقلب ، وهو قائم بالنفس ، والعقل في القلب . وتأمّل قوله تعالى « 1 » : « لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها » . « « 2 » إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » . فتأمّل أيها الأخ صنع اللّه في هذا المؤمن ، حيث جعل له داخل ضميره شمسا ساكنا « 3 » في وسط الأحشاء أضوأ من الشمس اللامعة ، حتى جاز الهوى ، وملك طريق السماء ؛ فلم يسكن على شئ دون الرّبّ جلّ جلاله ؛ فصار حاله في الضمير كعود نصب له في الأرض ، فإذا اتّصل بالأرض بها والأرض به ، نبتت المعرفة به ، فصارت نزهة للعارفين ، ثم الشهادة عطاء المحبين ، ثم المحبة على السابقين . ( فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) « 4 » : قد قدمنا أنّ هذه الآية أباحت التعجّل والتأخّر . وقيل : إنه إخبار عن غفران الإثم ؛ وهو الذنب للحاجّ ، سواء تعجّل أو تأخر . وعلى الأول فيكون لمن اتّقى أن يأثم في التعجّل ،

--> ( 1 ) الحج : 46 ( 2 ) ق : 37 ( 3 ) أي الضمير . ( 4 ) البقرة : 203